mercredi 18 février 2026

 

من مدريد إلى اتحاد المغرب العربي: رهان النضج المغربي في مواجهة التشنجات الإقليمية

مقدمة
خلال الأشهر الأخيرة، واجه المغرب حملات إعلامية معادية، متكررة وغالبًا كاريكاتورية، سعت إلى إضعاف موقفه، أو عزله، أو زرع الشك داخل مجتمعه. غير أن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا؛ إذ لم تُفضِ هذه الحملات إلا إلى تعزيز التماسك الوطني وتوطيد الروابط الراسخة بين العرش والشعب، في ثقة متبادلة صقلتها المحن ورسّختها الاستمرارية.
وفي هذا السياق تندرج لقاءات مدريد حول الصحراء المغربية. فبعيدًا عن الضجيج والمزايدات، جاءت هذه اللقاءات امتدادًا لمسار انطلق منذ سنوات، تميّز بتوضيح تدريجي للمواقف الدولية. وقد ساهمت في هذا التحول قرارات شجاعة اتُّخذت في لحظة مفصلية، حين اختار فاعلون دوليون كبار القطع مع الغموض لصالح الوضوح والواقعية، بما أعاد رسم معالم هذا الملف على نحو مستدام.
وأمام هذه الدينامية، تبدو مغريةً الاستجابة للتشنجات الإقليمية بالمواجهة المباشرة. غير أن النضج المغربي يدعو إلى مسار آخر: مسار البداغوجية، والتهدئة، والمواكبة — لا عن ضعف، بل عن بصيرة.

أولًا: مدريد محطة توضيح لا قطيعة
لا تمثل لقاءات مدريد مسرحية دبلوماسية ولا منعطفًا فجائيًا، بل أكدت مسارًا كان واضح المعالم: لم يعد ملف الصحراء يُدار كقضية جامدة، بل كمسألة تتجه نحو حل واقعي، دائم، ومتوافق مع التوازنات الإقليمية.
لم يفرض المغرب شيئًا؛ بل حافظ على بوصلته بثبات ووضوح، وترك الوقائع تتكلم. وهو نهج يختلف عن المقاربات القائمة على التهويل والمزايدة، التي تصطدم دائمًا بحدودها.

ثانيًا: فهم المواقف الجزائرية ضرورة للاستدامة
سيكون استخفافا بالعقول النيرة قراءة الموقف الجزائري من زاوية العداء وحدها. فالجزائر هي أيضًا نتاج تاريخ ثقيل، تشكّل على وقع انعكاسات الحرب الباردة، وثقافة سياسية قائمة على المواجهة، وثقل نخبٍ بنَت شرعيتها على توازنات قديمة.
ولذلك، فإن أي حل دائم يقتضي الإنصات للتصورات والحساسيات والمخاوف والتطلعات والسرديات الإقليمية والمحلية. تجاهلها يكرّس سوء الفهم، وتقديسها يخرج عن الإطار الدولي. النضج يكمن في الإصغاء إليها دون المساس بالركائز التاريخية والقانونية والسياسية الراسخة.
الفهم لا يعني التبرير ولا التنازل، بل يتيح قياس حجم التحدي وعمق الانسدادات.

ثالثًا: نعم للتربية السياسية، لا للسذاجة — مواجهة مقاومة ممتدة
لا يواجه المغرب خلافًا ظرفيًا، بل تيار مقاومة مُنظّمًا منذ أكثر من ستة عقود، متجذرًا في تمثلات سياسية ومؤسساتية وأيديولوجية قديمة.
وهنا تبرز الدقة: نعم للبداغوجية، لا للسذاجة. فهذه المقاومة لن تزول بإيماءات رمزية ولا بتغيير في النبرة. أن نكون تربويين يعني الشرح المتواصل، والتكرار بثبات، والتقدم دون الانجرار إلى الانفعال أو الاستفزاز.
الزمن ليس عبئًا على المغرب؛ بل هو حليفٌ عندما تكون المواقف راسخة.

رابعًا: مخطط الحكم الذاتي — مخرج مُكرّس
في هذا الإطار، يبرز مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب باعتباره المخرج الوحيد المصداقي والواقعي. وقد كُرِّست هذه الحقيقة رسميًا بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي اعتمد هذا التوجه أساسًا جديًا لتسوية النزاع.
لم يعد الأمر مشروعًا تدافع عنه دولة واحدة، بل إطارًا معترفًا به يتبلور حوله اليوم جوهر التوافق الدولي. وقد لعب الدعم الثابت والواضح للولايات المتحدة دورًا حاسمًا في هذا التوضيح، عبر القطع مع غموض الماضي وتعزيز دينامية قائمة على الواقعية والاستقرار.
ولا تهدف هذه المقاربة إلى العزل أو الإذلال، بل إلى إنهاء وضعٍ جامدٍ بات مكلفًا للجميع.

خامسًا: الصحراء والمستقبل المغاربي — معادلة لا تنفصم
في عالم يتشكل حول تكتلات إقليمية مندمجة، تبدو استدامة الانسداد المغاربي شذوذًا تاريخيًا. فبالانغلاق في قراءة صراعية محضة لملف الصحراء، تحرم الجزائر نفسها من فرص اقتصادية وبشرية وإقليمية كبرى.
أما المغرب، فمصلحته تكمن في إظهار أن مسار الحكم الذاتي ليس انتصارًا على جار أو على ساكنة، بل فرصة للمصالحة، والتنمية المشتركة، والإسقاط الجماعي نحو المستقبل.

خاتمة
من مدريد إلى أفق اتحاد المغرب العربي، يتضح الرهان المغربي: التقدم بصبر وثبات وعلوّ نظر. تربية سياسية دون سذاجة. إصغاء دون تفريط في الجوهر.
فالنجاح الحقيقي لن يكون انتصار طرفٍ على آخر، بل قدرة المغرب الكبير، أخيرًا، على التصالح مع مستقبله.
وتبقى اليقظة واجبة، لأن الشيطان — دائمًا — يكمن في التفاصيل.